wrapper

"الشعب السالك في الظلمة أبصر نورًا عظيمًا" (أش 9: 2)

المطران جوزيف نفّاع
نحيا هذه السنة عيد الميلاد وفي القلب غصّة وفي العيون قلق، حتّى أنّ الزينة الخجولة تنثر حولنا ظلالاً ثقيلةً، سرقت منّا البهجة. لكنّ هذا الحال المرّ ليس غريبًا عن تاريخ خلاصنا، إذ عندما ولد المسيح كان الشعب يرزح تحت ظروف صعبة جدًا. البلد محتلّ من قبل الرومان الذين يفرضون ضرائب لا تطاق على كاهل الفقراء. كما أنّ حكّامهم ما كانوا يهتمّون بأمور العباد، فاستشرى الفساد وساد الظالم والمرتشي. وما عاد للمسكين من سند سوى أن يرفع يديه صوب ربّ السماء طالبًا من الجبّار القويّ الفرج والمساعدة.
هذا الواقع المأساوي، الذي أقفل كلّ الأفق، دفع النبيّ أشعيا لإطلاق صرخته المدويّة: "الشعب السالك في الظلمة أبصر نورًا عظيمًا" (أش 9: 2). نعم، كانوا يسلكون في ظلمة حالكة. وبميلاد الطفل يسوع  أتى المخلّص إلينا، لبس طبيعتنا، وحمل على كتفيه مصيرنا الصعب، وافتدانا.
هذا ما يعلّمنا إيّاه الإنجيل، أنّ الربّ هو خلاصنا الحقيقيّ، على كافّة الصعد، الروحيّة والإنسانيّة أيضًا. فكما هو غافر خطايانا، هو أيضًا الرزّاق الكريم، الذي يهب كلّ من يتّكل عليه الخبز كفاف يومه. ولكي يُظهر لنا هذه الحقيقة، أطعم الربّ يسوع الخمسة آلاف جائع من خمس خبزات ومن سمكتين (يو 6).
عيد الميلاد يعنينا هذه السنة أكثر من أي وقت آخر. نحن اليوم "الشعب السالك في الظلمة" وعيد الميلاد يجب أن يجعلنا "نبصر نورًا عظيمًا" نجدّد به إيماننا واتكالنا على الربّ خالقنا ومخلّصنا، الذي يعتني بنا ليل نهار.
هذه الأزمة التي نمرّ بها، يمكن أن تكون لنا فرصةً ذهبيّةً تعلّمنا درسًا جوهريًّا لحياتنا. لطالما انصبّ اهتمامنا في السنوات الماضية على الزينة والبهرجات الخارجيّة. كثيرًا ما أغفلنا صاحب العيد وتركناه على الأبواب. شوارعنا اليوم، نعم، تفتقد إلى الكثير من زينتها السابقة. فلنجعل من ذلك فرصةً لنا للاحتفال الحقيقيّ بالميلاد الحقيقيّ. هذه المحنة هي فرصة لنا أن ننتزح إلى العمق. لا بل أسمح لنفسي أن أقول أنّ بوادر الميلاد الحقيقيّ لاحت في أفق بلادي منذ حواليّ الشهرين. لا يمكننا أن نغفل كيف جمعت المحنة أبناء الوطن من كلّ أطيافه وانتماءاته ليقف وقفة رجل واحد مطالبين برفع الظلم ونبذ الفساد وإعادة المسروق. وهل من ميلاد أفضل من هذه الصرخة. ونسمع كلّ يوم عن مبادرات رائعة للتضامن مع المعوزين والتكاتف بين جميع فئات الوطن. لقد ولد يسوع ليعلّمنا هذه القيم. لذلك أقول، إذا ما تعلّمنا كيف نستفيد من هذه الخبرة الفريدة، سوف يكون هذا الميلاد هذه السنة أجمل ميلاد في تاريخ لبنان. نحن مدعوّون إلى عيش "الميلاد الحقيقيّ" كما أراده الربّ يسوع، وأن نندم، على كثير من الميلادات المزيفة التي عشناها سابقًا.

Read 270 times