wrapper

عيد مار مارون

المطران جوزيف نفّاع
عيدنا هذه السنة ممزوج بمرارة الأوضاع الأليمة. هل نحتفل؟ وبماذا نحتفل؟ نتساءل: كيف نحيا هذا العيد؟
إنّ مار مارون هو خير دليل لنا في هذه العتمة. فهو قديس الصعاب وقديس التحديات. عاش مارون في منطقة قورش السورية في زمن انحطاط وفساد وضياع. ضاق الشاب مارون ذرعًا بما وصلت إليه الأمور لدرجة أنه لم يعد يرى من مخرج للأزمة، فقرّر الثورة الصامتة: صعد إلى أعلى الجبل ليعلن بذلك رفضه المطلق للواقع الفاسد. وقرّر التنسك والالتزام بالصمت، لأن الكلام لم يعد يجني أُكُلَه. فكان صمته أبلغ من الكلام.
"ثورة" مارون جذبت كل أترابه، تركوا المدينة وفضّلوا البرية الخالية من كل شيء ما عدا الله. وهكذا خلت المدينة من الأفاضل وعمرت البرية بأزهار النعمة والفضيلة. حوّل تلاميذ مار مارون الجبل الخالي إلى عاصمة للعمل والفضيلة.
مارون هو العلامة لنا اليوم والمنارة الدالة على الطريق الصحيح: ليس بالعنف ولا بالتخريب ننال التغيير، بل بالحق، نتمسّك به دون أي تغيير أو تراجع، وبالثبات عليه حتى النفس الأخير.
هذا ما نريده اليوم في بلادنا. فنحن أبناء مارون كان لنا عبر التاريخ اليد الطولى في إعمار هذا البلد بالمناقبية التي تعلّمناها من مؤسّسنا. واليوم، وأمام الأزمة الخانقة، نحن بأمس الحاجة إلى هذا القائد القديس. كم فرحنا جميعًا بالتحرك السلمي الذي قاده صفوة من شبابنا المتعلّم. نصبوا كمار مارون الخيم في الساحات. وحوّلوها إلى ملتقيات ثقافية وحوارية ذكّرتني بما قام به كهنتنا ورهباننا في مدرسة تحت السنديانة بعيد المجمع اللبناني، سنة ١٧٣٦. هذا النفس هو النفس البنّاء الذي يجب أن نتمسّك به وأن نحتفل به في هذا العيد. أما ما نراه بين الحين والآخر من عنف وتخريب وضرب للقوانين والأعراف فهو يخرج عن الروح المارونية، لا بل علينا أن نرى مارون يقف بقامته الفاردة حاملاً عصاه بوجه كل مخرّب لهذا البلد، فهو بلد القداسة والقديسين.
في عيد أبينا مارون، نحن مدعوون للإيمان برسالة هذا البلد في هذا الشرق الذي بزغ منه نور المسيح فأشرق على العالم أجمع. نحن مدعوون إلى التمسّك بمثال أبينا الناسك المتمسّك بالحق والحقيقة والثائر بصمته وثباته حتى نال القداسة والانتصار فأسّس أمّةً تحمل اسمه وتسير على دربه وتمكل رسالته في أربعة أقطار المعمورة.




Read 194 times